بمزيد من الحزن والاسى تودع جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين احد اعمدة الفن والابداع العراقي وهو الفنان والمعماري الكبير (د. محمد صالح مكية ) .. اذ فقد العراق رمزا من رموزه العظيمة وهو المعماري الكبير والبغدادي الاصيل د.محمد صالح مكية منتصف ليل يوم الاحد الموافق 19/7/2015 في مستشفى كوليج بلندن عن عمر ناهز المئة عام وعام تاركا مسيرة حافلة بالإنجازات الكبيرة في مجالات العمارة والفن والثقافة.
وُلد الدكتور محمد صالح مكية في الرابع من نيسان سنة 1914م، في محلة صبابيغ الآل المجاورة لجامع الخلفاء ومنارته الشهيرة بمنارة سوق الغزل في بغداد. واصل دراسته الإبتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها، وسافر سنة 1935م في بعثة لوزارة المعارف العراقية (التربية حالياً) إلى بريطانيا والتحق بجامعة ليفيربول، ودرس الهندسة المعمارية فيها وحصل على شهادة البكالوريوس سنة 1941م، وحصل على الدبلوم في التصميم المعماري من الجامعة نفسها، أما الدكتوراه فقد حصل عليها عام 1946م من كلية (كينغز/جامعة كامبردج/بريطانيا)، وكان موضوع أطروحته (تأثير المناخ في تطور العمارة في منطقة البحر المتوسط). وعاد إلى بغداد في العام نفسه، وأنشأ (شركاء مكية للاستشارات المعمارية والتخطيط (وبعدها أُقيمت شركات مكية في كل من البحرين، وعُمان، ولندن، والكويت، والدوحة، وأبو ظبي ، ودبي، اختير خبيراً في الأمم المتحدة عام 1951 ، كما انتخب رئيساً لجمعية التشكيلين العراقيين في بغداد عام 1955 فضلاً عن كونه احد مؤسسيها الأوائل مع جواد سليم وفائق حسن، كما انتخب عام 1967 عضواً بالمجلس الدولي للنصب التذكارية في روما، وهو الذي أسس ديوان الكوفة في لندن عام 1987م، ,وفي عام 1959 قدم مشروعه الكبير (جامعة الكوفة) التي كان احد أعضاء مجلس تأسيسها في نهايات الستينيات من القرن الماضي، غير أن المشروع لم ير النور. وفي 2003م حصلَ على جائزة أفضل إنجاز مدى الحياة في مدينة دبي، وبين الستينيات والتسعينيات من القرن العشرين٬ صمم الراحل عشرات الجوامع والدواوين والقصور الأميرية ومباني الوزارات والمنظمات الحكومية والبنوك والمتاحف والجامعات والمكتبات في العراق والبلدان العربية والإسلامية ٬ ويشير العارفون بمجال اختصاصه ان أبرز ما في أسلوبه الهندسي أنه لم يتأثر بالتقنيات الغربية الحديثة في العمارة٬ ولم يكن أسير الخصائص والمفردات العربية التقليدية٬ وانما زاوج بين التوجهين٬ وكان من نتيجة ذلك ولادة عمارة عراقية معاصرة وفية لبيئتها.حصل على وسام التميز من ملكة بريطانيا في شباط عام 2014 حيث تم تكريمه من قبل ملكة بريطانية العظمى اليزابيث حيث تم تسليمه الجائزة من قبل تشريفات القصر الملكي البريطاني (بكنجهام)؛ برسالة بعثتها الملكة لبلوغه من العمر مئة عام .
ومن المعروف عن هذا الرائد في العِمارة العراقية الحديثة بأنه لم يكتفِ بتتبع خُطى العِمارة القديمة أو مجرد محاكاتها بل حاول إحياءها وفقاً لموهبتهِ الشخصية، وتطعيمها بالأشكال الحديثة. وقد هُيئَ له تطوير أساليب العِمارة التقليدية وتحويلها إلى أسلوب يلائم هذا العصر. ولمكية مشاركة في تأليف كتاب (بغداد) الذي نشرته نقابة المهندسين العراقيين ثم ظهرت له عن دار الساقي في لندن طبعة جديدة.صمم بنايات كثيرة على مستوى العالم، ففي العراق، فضلاً عن جامع الخلفاء، صمم بناية جامعة الكوفة (1969 ولم يُنفذ)، وفي البحرين صمم بوابة مدينة عيسى وفي الكويت صمم المسجد الكبير، وفي إسلام آباد في الباكستان صمم جامع إسلام آباد، وفي مسقط بعُمان صمم جامع السلطان قابوس الكبير، وفي تكساس بالولايات المتحدة صمم جامع تكساس، وفي روما صمم جامع روما، هذا فضلاً عن عشرات البنايات التي صممها منذ الستينات وحتى التسعينات من القرن الماضي في بغداد والبصرة وكربلاء وغيرها ومنها بنايات لمصرف الرافدين ولجوامع ولدواوين حكومية ولمكتبات ولبيوت وشخصيات منها بيت الدكتور فاضل الجمالي (رئيس الوزراء العراقي الأسبق) في الأعظمية ببغداد ودار الأميرات في المنصور، ومبنى المستوصف العام على ساحة السباع 1949م، ومبنى بلدية الحلة 1951م، وفندق ريجنت بالاس بشارع الرشيد 1954م. وكانت تصاميمه تحظ – باستمرار- بالتقدير والتكريم،.اذ صدرت عن دار الساقي في لندن مذكراته بعنوان (خواطر السنين). كما أن تصاميمه تنتشر على طول العالم وعرضه …لقد طرز تصاميمه بالريازة العباسية، واستخدم الخط العربي، واستفاد من التقنيات الحديثة.. ويقف جامع الخلفاء ببغداد 1961م، والذي يُعد آية في الفن المعماري الإسلامي، وبناية مصرف الرافدين في شارع البنوك ببغداد مثالاً بارزاً لمنجزات محمد مكية المعمارية.وفي مقالةٍ له عن (تطور فن العِمارة في بغداد) نُشرت في عام 1968م، قَدم لنا مكية عرضاً تاريخياً شاملاً لتطور فن العِمارة في بغداد، مستخلصاً أبرز الخصائص المعمارية التي تميزت بها عمائر هذه المدينة، بالاعتماد على ما سجله المؤرخون البلدانيون حول معالمها العِمرانية من معلومات، وما ورد في كتب الأدب والرحلات من نصوص وتحريات بلغات عدة. وحسب هذا المعماري الرائد لم يكن هناك فن للعِمارة الإسلامية، تتجسد فيه كل الخصائص الجديدة، “قد ظهر للوجود، قبل أن تتولى بغداد تكوينه وإبداعه”. فالتمدن الإسلامي في هذه البقعة من العالم القديم، أوجد حاضرة تولت مسؤولية تمدن سريع نَجَمَ عنه نشاط حضاري في كافة الميادين، مما جعل منها حاضرة العالم الإسلامي ودار الخلافة العباسية ومركزاً تجارياً هاماً جمع إليه الناس من كل الأقطار والأمصار، حتى أصبحت كما قيل “الدنيا بادية وبغداد حاضرتها”. إذ أنه يعتبر أن فن العِمارة قبل قيام بغداد، “لم تتوفر له الفرص والإمكانات ليهيمن على تكوين منشآتها الجديدة أكثر من أن يحاول تحقيق مسقفات واسعة كانت تجمع بين عناصر الفن الأغريقي والروماني والهلنستي، تلك التي ظهرت معالمها واضحة في الإنجازات المعمارية التي تحققت في بلاد الشام إبان الحكم الأموي. فقبة الصخرة والجامع الأموي بعد تجريدهما من زخارف التكسية السطحية هما معالم تاريخية أكثر من كونهما معالم لمنجزات في فن العِمارة الإسلامية الخالصة”.وأسوأ ما تعرض له محمد مكية من حزن، هو عندما أعد تصميماً لجامعة الكوفة في العامين 1967-1968م وحصلت الموافقة من رئيس الوزراء في حينه (طاهر يحيى) ، وكان معه أكاديميون وعلماء كلٌّ في اختصاصه، وبينهم العلامة (علي الوردي) ، على أن تكون شبيهة بالجامعات الدُّولية الكبرى، فالكوفة دار حضارة قديمة، وتقع على الفرات أو ملتقى الطرق، حسب تعبير مكية نفسه، لكن إنقلاب 17 تموز 1968م قضى على مشروع الجامعة الأهلية الأولى من طرازها، من حيث الإتساع في المهام، وما أقيم بهذا الاسم، فيما بعد، ليس له صلة لا من بعيد ولا من قريب بذلك المشروع. ولأن الفكرة ضلت تراود مكية، استقر بلندن وأنشأ ما سماه بديوان الكوفة (1986-2006م)، كان ملتقىً للثقافات والمثقفين. عشرون عاماً كم استضافت صالته من ندوات ومحاضرات ومعارض تشكيلية، والبداية كانت كمكتب هندسي،. وظَل تصميمه الأشهر ببغداد فهو جامع الخلفاء (افتتح 1963م)، الذي شُيِّد على بناء الجامع العباسي القديم.
كان مكية شغوف بحب العراق الى اخر ايامه واراد لبغداد ان تكون عاصمة للثقافة والفن والابداع لكن الاجل لم يمهله تحقيق امنياته فكتب في وصيته الى جميع العراقيين ان يحافظوا على بغداد ويعشقوها ويدافعوا عنها وان يعيدوا هيبتها التي يحاول البعض ان يسرقها فكتب في وصيته : ((أيها الأعزاء والأحباء في بغداد الروح والوجدان والمعاني الكبيرة – بغداد أيها الأحباء جوهرة من جواهر العصر، ربما تمرض، وربما تتعب وتئن – لكنها لا تشيخ فزمن المدن العظيمة مغاير لتفسيرنا للزمن. بغداد عزيزة وغالية عندنا غادرناها مضطرين، عرفنا أن شيئاً من تراثنا علق هناك على ضفاف دجلة – في الأزقة – في المقاهي – والشناشيل – والساحات، من المؤسف أن بغداد تتعرض إلى تشويه لذاتها وصفاتها منذ عقود – من المؤسف أن العمارة لم تكن تفشي إلى تلك العلاقة الأصيلة مع النهر والضفة والروح الساكنة بينها – أوصيكم ببغداد – استمعوا إليها – أصغوا إلى صوتها كثيراً ستكتشفون في حركة الشجر والنخيل – وفي دفق ماء النهر – في الضحكات الصافية – تأملوا لونها تجدونهُ في الطابوق في الخشب – في زرقة الماء – في سمرة الأهل، ديوان الكوفة ينتمي إلى بغداد بكلِ إرثهِ وتراثهِ التاريخي لذلك أطالب إلى إعادته إلى مكانه الطبيعي في بغداد، أيها الأصدقاء والأبناء والأحفاد لكم مني كل المحبة والعرفان – اعتنوا ببغداد لتعتني بكم، اعتنوا بالعراق الذي منحنا الكثير رغم الأوجاع)).
اهم انجازاته
- جامع الخلفاء.
- جامعة الكوفة (1969) وقد حال النظام الصدامي دون تنفيذ هذا المشروع
الكبير وكانت الاستعدادات له بما فيها الاموال شارفت على الاكتمال.
- بوابة مدينة عيسى في البحرين.
- المسجد الكبير في الكويت.
- جامع اسلام اباد في باكستان.
- جامع قابوس الكبير في عمان.
- جامع تكساس في الولايات المتحدة الاميركية.
- جامع روما في ايطاليا.
- بيت الدكتور فاضل الجمالي رئيس وزراء العراق الاسبق.
- دارة الاميرات في المنصور.
- مبنى المستوصف العام في ساحة السباع (1949).
- مبنى بلدية الحلة (1951).
- فندق ريجنت بالاس في شارع الرشيد (1954).
- مبنى الكلية التكنولوجية في بغداد (1966) ومكتبة ديوان الاوقاف العامة (1967) ومبنى مصرف الرافدين في الكوفة (1968) ومسجد الصديق في الدوحة (1978) وتصميم الجامعة العربية في تونس (1983).
* جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين *




